عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
14
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية
والأسير إذا آثر ذل الأسر على عز النجاة والخلاص ، ورضي بالصغار ؛ فالموت له راحة . قال سقراط : ليس بحي من أكل وشرب ، وآثر الشهوات الدنويّة ، وأمات النفس الحية بالشره والانغماس فيما لا يثبت سروره وبالاختناق وردى عالم الطبيعة ، ويتقلب في حالاتها الرديئة ولا ينجو من حبالتها وأسرها ، وإنما الحي من عرف زوال ما مضى من اللذات وتيقن أن المستأنف كالقاضي في عدم الثبات والاستقرار . واعلم أن عالم الطبيعة سرور وحسرة على أهلها ، فسعاداتها آنية ومحنها زمانية دائمة ، ومنها آنية ومنها زمانية دائمة ؛ فإن الإنسان لا ينفك عن الحسرة على الماضي وعلى الخوف من الآتي ، ثم كيف يسر الحي بنعيم يستحيل قذارة ؟ ثم إن البدن يبغضها لقذارتها ونتنها . وتحصل له في الإخراج لذة أعظم من لذة اجتلابها ، وإن احتبس ولم يخرج كان دمارا وهلاكا على البدن وتلفا له . ثم إذا زالت حالة الأكل والشرب ، استوى فيه المتلذذ به والمستكره له ، وكأن المتلذذ لم يتلذذ به ، بل تصير شهواته أقوى فيما يستأنف ؛ فإن العادة طبيعة ثانية ، ومن اعتاد شيئا لم يصبر عنه ، ومن لم يعتد ، لم يشتق إليه إذا لم يعاينه . واعلم أن جميع ما ينال الملوك وأهل الشرف من متاع الدنيا وشهواتها ، يذل ويصغر عند الحكماء ، ولو وقف الملوك على نقصان لذتهم وقلتها بالنسبة على اللذة التي يحظى بها العلماء بسبب علمهم ، لعدوا ما هم فيه فقرا وخمولا . قال سقراط : إن الإنسان إذا ارتقى من السفل إلى الموضع الوسط ، وقف هناك من غير أن يرى الموضع الأعلى ، بالحقيقة فقد يتوهم أنه قد ارتقى العلو ، فأما من أحس بمن فوقه استحقر ما هو فيه ، وكيف يسمى ما أدرك الملوك لذة ، وإنما هو طعام وشراب يسكن به جوعا وعطشا ولباسا يستتر به من الحر والبرد والجماع الذي تلجأ إليه الشبق وشدة شهوة الضراب ، وهذه مشتركة بين الإنس والبهائم .